الثروة

زكية العبكري

أحبت فاطمة الغنى وجمع الثروة , وجندت كل طاقتها لتحقيق أمنيتها في كسب الثراء , أبناؤها كانوا هم المحفز الأكبر في شق طريقها , وشريك حياتها الداعم الحقيقي لكل خطواتها , و والدتها باركت كل قدم سعت لهذا الثراء .

ما قصدته فاطمة ليس الثراء المادي الزائل , بل الثراء المعنوي الدائم , الممتد حتى بعد الحياة .

عملها الإرشادي في مدرسة منطقتها فتح لها المجال الواسع , لتطلع على كل ما يدور خلف الأبواب المغلقة , وتتفهم حياة كل أسرة .

 وكيف تشق الأُسر طريقها في الحياة ؟

سألت فاطمة المراقبة عن الحضور والغياب للطالبات .

أخبرت المراقبة فاطمة عن الغياب المتكرر لرقية , وعدم مقدرتها على التواصل مع أسرة رقية , لمعرفة السبب وراء هذا الغياب المفاجئ والمتواصل .

أحس قلب فاطمة المرهف , بوجود حدث عظيم , حجز رقية عن الحضور للمدرسة , فهي طالبة متفوقة , تحب العلم والتعليم .

طلبت فاطمة من المراقبة الإطلاع على ملف رقية .

أخذت فاطمة بيانات رقية , وسجلت كل ملاحظاتها في مفكرتها الخاصة .

صرخت رقية أمي ... أمي ....

من تتوقعين عند الباب ؟؟؟

قالت أم رقية : الدائنون !!!

سمعت فاطمة ما قالته أم رقية , وأحس فؤادها بثقل المعانات التي تعيشها أسرة رقية .

تقدمت فاطمة بضع خطوات إلى داخل المسكن .

واعتصرت أم رقية حزنًا , وعلا محياها الخجل من فاطمة .

فمنزل أم رقية نظيف ويشع من النظافة حتى من الأثاث .

لمست فاطمة حيرت أم رقية .

وسمعت همهمت حروفها بقلبها النابض بالحياة .

أين ستجلس المرشدة ؟

لا يوجد حتى كرسي تجلس عليه ؟

إحساس فاطمة الواعي جنب أم رقية الحرج .

قالت فاطمة : سوف أجلس بجانب ابنتي وطالبتي رقية .

داعبت فاطمة رقية بكلمات تحمل معاني الفرح والسرور .

لترسم البسمة على وجه رقية البريء .

سقطت دموع رقية , وخفت يد فاطمة لقطت الدر المتساقط على الوجنتين .

اعتصرت ألمًا وحزنًا وبصوتها الرقيق قالت رقية : لقد توفي أبي منذ خمسة أيام .

تنهدت فاطمة وقالت : هذه سنة الحياة .

كل الماديات تفنى . ويبقى وجه الله جل جلالة .

قالت فاطمة : رقية أنت متسلحة بالإيمان والمعرفة .

هل غابت عنك الآية الشريفة .....

قاطعت رقية المرشدة وقالت : لم تغب عن دهني وأذكرها .

﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .

قالت رقية : بمعلوماتها البسيطة , وهي تعني إن مرجع العباد لله وحده .

رفعت فاطمة بصرها , لترى أم رقية وقد أغرقت الدموع كل جوانب وجهها .

بصوت مزج بالحزن قالت فاطمة : تجلدي لتثابي على مصيبتك .

قالت أم رقية : الحمدلله على كل شيء , الحمدلله الذي لا يحمد على مكروه سواه .

ولكن !!!

قالت فاطمة : ولكن ماذا يا أم رقية ؟

جرت أنة وخلفها أنات وقالت أم رقية : مرض أبو رقية وعجزه عن طلب لقمة العيش , وصرف كل مدخرات الأسرة في علاج أبو رقية , أوقعنا في حرج مع الدائنون , ولم يعد لدينا ما يباع لسد ضروريات الحياة .

دمعت عيون أم رقية وقالت : أنظري أبسط الضروريات يخلو منا البيت !!!

جرت دموع فاطمة , وتلعثم لسانها عن إخراج الحروف .

وتاهت أفكارها بين سطور عقلها .

أين أنا عن هذه الأسرة ؟

كيف لم أدرك وضعهم من قبل ؟

آه ... ثم آه من ربي إذا سألني كيف قصرت يديك في مد العون لهذه الأسرة ؟

ماذا أجيب ؟

كيف لم تبصر عيني وضع رقية من قبل ؟

وبعثرت استفساراتها داخل أنفاسها .

وضمير فاطمة الحي , وقلبها الفائض بالحب على كل فقير , وأناملها البيضاء الممتدة لمسح دمعة كل يتيم وأرملة .

عاتب فاطمة على هذا التقصير غير المقصود .

صرخ عقلها وقال : لم ترتسم على ملامح رقية ما يدل على تدني حالتهم المادية , بل على العكس كانت تحي حياة الرفاهية , عزت نفسها واحترامها لكرامتها جنبها لبس ثوب الذل .

وكلمات أم رقية خرقت الصمت التي خيم على المكان لبرهة من زمن وقالت : لا تستطيع رقية التواصل مع المدرسة ونحن كما لمست الوضع ؟

قالت المرشدة : لتواصل رقية تعليمها وتشق طريقها في الحياة العلمية , والله سبحانه وتعالى لم يتخلى عن عبادة , فرحمته وسعت البر والفاجر .

وإن الله يرزق من يشاء بغير حساب .

غادرت فاطمة بيت رقية .

وأقسمت في نفسها على مساعدة رقية وأمها , من غير أن تخدش كبرياءهم أو عزت نفسهم .

ولم تعلم أم رقية ما يحملُ لها القدر بين طياته .

ومع حلول الظلام , طُرق باب أم رقية وسُلمت ظرفًا به مبلغ من المال , وقال الطارق : هذه أمانة في ذمتي إلى أبو رقية , وقد تعذر تسليمها في الوقت المحدد بسبب غيابي عن المنطقة , واختفى عن الأنظار .

رفعت أم رقية كفيها ومدت بصرها وقالت : إن الله يرزق من يشاء بغير حساب .

أما فاطمة فقالت : هذا هو الثراء المخلد , التخفيف من معانات الآخرين هو الغنى الذي لا يفنى .