صافي

زكية العبكري

الطريق متعرج , ومنحي وشديد الانحدارات , والجو ضبابي , والرؤية شبه منعدمة , والأمطار غزيرة مصحوبة ببرق ورعد شديد , والرياح قوية  تميل إلى الأعاصير .

هذا وصف لطقس والأجواء , والحالة التي تعيشها صافي .

لم يصفي لها الجو لحظة , ولم تتمتع بمراحل عمرها كباقي قريناتها .

برعمه لم تتفتح, ولم تنثر من ريح عبقها في الحياة , كسرت أغصانها وجذورها رياح البلاء , لتتابع عليها المحن , ويلقي عليها غبار الأقدار باليتم والحرمان , وتعصر والدتها الأحزان وتحاصرها الآلام , وتجردها الأيام من أصولها .

ويفتح لها عمها الباب , ويفرش لها الأرض مدنسة بالاعتداءات والإهانات , ويزينها أبن عمها بالرذيلة .

تغلق صافي باب غرفتها التي لا تتعدى المترين , بعد أن كانت تسكن القصور .

وتفتح قلبها المثقل بالأحزان المليء بالآهات , تناجي الخالق , وتتلمس الرحمة من الرحيم .

ويقطع عليها لذت المناجاة , صوت الباطل يدعوها إلى أحضان الشيطان , وتصرخ صافي  ويتزلزل المكان بمن فيه من شدة الصرخة , ويخرس صوت الباطل خجلًا , ويختفي في جحره .

أمعنت صافي في تفاصيل حياتها , هاجت بها ذكرياتها , إلى الماضي , وقرأت أفكارها .

أب حنون لم أرتوي من حنانه , ولم يتلذذ بتربتي حاصره القدر ليلتحق بالرفيق الأعلى , ولم تستطيع يدي الناعمة والصغيرة من ضمه , قبل أن يضمه مثواه الأخير , طيش الشباب حطم سيارته كما حطم كل عضو من جسمه .

أم عطوفة وزوجة مخلصة ووفيه , فقدت الزوج والحبيب الوفي وسر بقائها في الحياة , ويرفض عقلها وتفكيرها فكرة أن تقبل الحياة بدون الزوج الوفي , ويتمرد جسدها , ويرفض الاستجابة للعقاقير الطبية , ويستسلم جسدها إلى الموت البطيء , وترحل روحها بسلام إلى خالقها .

صافي أبي رأى الصفاء والنور يوم بشر بقدومي إلى الدنيا , وتضاعفت تجارته وأرباحه , وشمل أبي الخير .

وقفت صافي في منتصف الغرفة وقالت : هل صافي لا تزال صافي ؟

أجابت صافي على سؤالها فلا أحد يشاطرها أحزانها , ولا حتى يشاركها في الجلوس .

تكدر العيش من بعد الوالدين و صبغ اللجين الصافي بالاحمرار , والماء الجاري بالشوائب .

أين الأصدقاء ؟

أين الجيران ؟

أجابها صمت أركان الغرفة , أنت وحيدة بائسة أنت براءة مزقتها الأحزان , ودنستها يد الأعمام , وكل حين يمد الشيطان أنامله لينهش العفة ويمزق الحجاب .

قالت صافي :

 أين من يمسح دمعت اليتيم ؟

أين صلة الأرحام ؟

أين الحقوق ؟

أين . وأين . وأين ؟؟؟

التقوة . الورع . مخافة الله .

سمعت صدى صوتها . وأجابتها روحها الشفافة .

لم تمسح دمعت اليتم بل تجنيد كل ماهو متاح لتتحول الدمعة إلى أنهار جارية .

والأرحام تمزقت بمخالب الذئب القوية .

والحقوق تاهت في الفضاء الملوث بالرذيلة .

وجرت الإنسانية نحو كسب وإرضاء الشيطان .

وماتت القيم داخل النفس المتلبسة بالشيطان .

وتبخر الورع في الهواء .

وحذف مخافة الله من قاموس الإنسانية .