الشيعة: عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء

 

الناظر لحال شيعة الخليج، وشيعة العالمين العربي والإسلامي، في عام 1975م، وينظر إلى حالهم اليوم عام 2011م، يجد أن حالهم قد انتقل من حالة السكون والكمون إلى حالة الحركة والظهور.

من حالة الفقر والاستضعاف إلى حالة الغنى والقوة. من حالة التماشي والمسايرة إلى حالة الحركة والفاعلية.

من حالة التلقي الصامت إلى حالة التأثير المُغير.

من حالة الجمود التقليدي إلى حالة الحراك المتحضر.

من حالة القوة المهمشة إلى حالة القوة المتفاعلة والفاعلة.

الفاصل بين الزمنين لا يقاس بعدد السنوات التي بلغت ستة وثلاثين عاماً، بل يقاس بالمتغيرات، السياسية، والجغرافيا السياسية، والاجتماع السياسي، والديموجرافيا السكانية. هذه الصورة تشمل جميع الشيعة دون استثناء، من إندونيسيا وأفغانستان مروراً بباكستان والهند وإيران والخليج والشرق الأوسط حتى المغرب العربي. في لبنان تحول الشيعة من قوة مهمشة وفقيرة لا يعنى بها، ولا تؤخذ في حسابات الساسة في ستينات وسبعينات القرن الماضي، إلى قوة أولى مُغيرة ومؤثرة في أي معادلة تخص لبنان أو تخص الملف العربي الإسرائيلي. تبدل حالهم في العراق من قوة لا قيمة لها عند الحاكم إلى قوة حاكمة ومسيطرة. أما في إيران فقد أصبحوا دولة تقنية وشبه نووية لا يمكن استقرار المنطقة دون الترتيب معها دولياً وإقليمياً.

ناهيك عن حضورهم الساطع في الكويت والبحرين وغيرهما...

منذ انهيار الدولة العثمانية إلى ما قبل ثلاثة عقود، كان الشارع السني هو الحاكم والمسيطر على السياسة والاقتصاد وعلى تركيبة الأنظمة في المنطقة، بل هو المتحكم في شئون الأكثرية والأقلية. هكذا كان الواقع الذي ساد، وهو امتداد لظلال الدولة العثمانية وانتصارها على الهوية الشيعية المتمثلة في إيران في ذلك الوقت.

ساد هذا الواقع، ولكنه بدأ في التغير ووصل إلى ما هو عليه اليوم، ساعدهم على ذلك الأمواج العالمية التي حملت رياح الديمقراطية وعولمة الحقوق الإنسانية والتغيرات الجيوسياسية في العالم.

حال الشيعة اليوم غير مقبول عند بعض الدول القائمة على توجهات مؤدلجة تعتقد أنها داعية ومدافعة عن الامتداد السني والسلفي في المنطقة. وهناك مجتمعات وتيارات وأحزاب تتبنى هذا الاعتقاد.

يرون أن صحوة الشيعة وتمددها يهدد استمرار مصالحهم ويسحب بساط قوتهم.

لذا لا غرابة أن تتواجد إرادة عربية تعمل على محاولة إبقاء وإعادة حال الشيعة لما كان عليه حالهم في الستينات والسبعينات، وهي إرادة تخالف السنن الكونية لتبدل حال المجتمعات والأمم.

أمام هذه الإرادة خيارات قليلة، إما أن تحتوي حال الشيعة اليوم بحسن قراءتها وإعطائها حقها من الوجود والاحترام، وبالتالي إعطائها دورها الطبيعي المتناسب مع وزنها اليوم، أو أنها تصطدم بها للحد من تأثيرها وتقليص دوائر تموجها.

حتى اليوم يبدو أن الإرادة العربية اختارت طريق الاصطدام عبر تشكيل حالة مقابلة للحالة الشيعية الجديدة من خلال خلق إثارة الشارعين العربي والإسلامي  للاصطفاف ورفض الوضع الجديد تحت عناوين مختلفة.

يبدو أن أصحاب هذا الاعتقاد لا يتذكرون بأن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء مطلقاً، وأن سنة الحياة في التبدل والتغير جارية على الجميع. إذا كنا جميعاً نؤمن بالديمقراطية، ونؤمن بأحقية الجميع في اختيار أفكارهم وقناعاتهم واعتقاداتهم، ونؤمن بضرورة التوافق على ما يخدم استقرار وتطور وتنمية بلداننا، إذا كنا كذلك فلنقبل بالتحولات الجارية في حال الشيعة، ثم نتفهمها ونعطيها حقها، بدلاً من مواجهتها وتعكير صفو عيش المنطقة بفتن طائفية لن تحد من نموهم وقوتهم، بل مواجهتها لا يزيد أهلها إلا قوة ومتانة وتراصاً، لأن التحدي لا يثمر عند الطرف المقابل إلا تحدياً مثله وبقوته.

يجدر بنا أن نذكر الإرادة العربية المتبنية مواجهة الشيعة بقول وزير الدفاع والداخلية الفرنسي السابق، جان- بيار شوفينمان، في كتابه الأخضر والأسود: على أن مركز الثقل في العالم العربي قد أنتقل من محيط البحر الأبيض المتوسط نحو الخليج، في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة.

ويضيف: وإذا شئنا الإمعان في الاستقراء لقلنا إن مركز الثقل في هذا العالم قد أنتقل من المناطق السنية إلى المناطق المختلطة، الشيعية والسنية.

ويتابع الوزير قائلاً: وفي هذا المنحى نرى أن الاهتزازات المتولدة من إرادة توسع نفوذ الشيعة ومن مقاومة هذا التوسع تنتشر إلى أبعد من حدود العالم الإسلامي لتهز مجمل نظام العلاقات الدولية.!

كاتب وباحث