آه من العيش المشترك

 

آه من العيش المشترك الذي يجبرنا على قبول الأخر، ويلزمنا بما لا نرغب الالتزام به، ويقيدنا بما لا نحب التقيد به، ويحد من تمادينا، ويقنن ممارساتنا السياسية، ويدفعنا للتحالف مع البعيد على حساب القريب, أو يدفع القريب نحو النفور منا. آه من العيش المشترك الذي ينغص علينا حياتنا اليومية لتقديم أنفسنا كملائكة ناصعي البياض لا تشوبهم شائبة بشرية. هذا هو لسان حال من لا يعرفون أبجديات الحياة الديمقراطية كمبدأ العيش المشترك".

ما يجري في الكويت من اصطفافات نيابية واصطفافات مضادة تصعد وتنزل مثل مؤشرات سوق البورصة هي صورة من الصور المتناقضة مع مبدأ العيش المشترك. لا يكاد ملف من الملفات يغلق أو يُعلق، إلا وملف أخر يلحقه، فتطير حكومة وتأتي أخرى، وتصبح الحياة النيابية في مخاض وخضات دائمين، وكأننا نتابع مسلسلاً مكسيكياً طويلاً ومملاً. الصورة ذاتها تتكرر بوجوه وتفاصيل مختلفة في المجالس النيابية العربية الأخرى كالعراق ولبنان ومصر... أما المجتمعات قليلة الحظ من مساحات الديمقراطية فالعيش المشترك فيها مجرد عنوان وهمي لخارطة اجتماعية متشابكة ومرتبكة.

أسوء ما في الاصطفافات الحزبية والطائفية أنها تتقنع بالديمقراطية إعلامياً وتتناقض في ممارستها العملية مع أول مبادئ الديمقراطية الذي يتمثل في القدرة على العيش المشترك والتعايش مع الآخرين. أن تصبح جزء من هذا التكتل أو ذاك أمر لا غبار عليه ما لم يفضِ إلى التنافر والتصارع مع من يعيشون معك تحت مظلة الوطن الواحد. خيمة الوطن مهما اتسعت أو ضاقت تتحمل احتضان جميع الأطياف والألوان، ولكن المشكلة أن بعض الألوان تريد أن يسود لونها على البقية وكأن صوت الحق يدور دوماً في رحاها، ولا يمكن أن يحدث ذلك مهما بلغ صاحب هذا اللون من القوة والنفوذ، ومهما عمد إلى استخدام لغة العنف وبطش القوة وهيمنة الديكتاتورية وسيادة الاستبداد.

أين طالبان؟ أين صدام حسين؟ أين معمر القذافي؟

أغرب ما في الأمر أن جميع الأطياف ترفع وتتبنى شعار العيش المشترك، وتلوح دائما بأهمية الوحدة الوطنية، وتنادي في الإعلام بضرورة الاندماج الوطني. بيد أنها في الممارسة السياسية تناقض كل ذلك بالتحريض الطائفي والقبلي وتجاوز أصول العمل السياسي والدستوري. "العيش المشترك" سمة عصرية وحضارية، ولكننا، كما يبدو نعرفها ولا نهضمها، لأن عسر الهضم لدينا مستفحل، وهي حالة تؤخر مجتمعاتنا وبلداننا في الوصول للحياة الديمقراطية الصحيحة، بالرغم من وجود واتساع رقعة الربيع العربي بثوراته التي يأمل أغلبنا أن تساهم في زحف روح ديمقراطية جديدة تفضي لتثبيت القبول بقاعدة "العيش المشترك".

هنا تبرز قضية الأكثرية والأقلية التي يظن البعض بأنها معقدة ومربكة، وهي على العكس من ذلك، سهلة ويسيرة ضمن معادلات البلدان الديمقراطية والعيش المشترك الجامع لأطيافها، وهي صعبة وعسيرة ضمن معادلات بلدان العالم الثالث التي لا تزال تهيمن فيها حالة شبه عامة في الرغبة في الاستحواذ وتهميش الآخرين.

 ديمقراطية العيش المشترك لا تقتضي بالضرورة أن تفرض أكثرية ما رؤيتها على الأقليات، ولا تفرض أقلية ما رؤيتها على الأكثرية مهما بلغت قوة هذه الأقلية وسلطتها، لأن الجميع يعمل على سيادة الدستور الذي يحمي الجميع من الجميع، فتنتفي الحاجة للحماية، فالدستور يحققها والحكومة تنفذها، أما في بلداننا فستظل تساؤلات مثيرة تشغل الجميع مثل: من يحمي الجميع؟ حماية مَنْ مِن مَنْ؟

حاجة الشعوب للحماية من الأنظمة، أم حماية الأنظمة من الشعوب؟...

يبدو أننا بحاجة إلى فترة زمنية طويلة لتتحقق في بلداننا ومجتمعاتنا تطبيع علاقات العيش المشترك بين أطياف المجتمع الواحد، ولكنه تطبيع لن ينجح إلا بوجود مفاعيل دافعة ومطلوبة كشجاعة القرار السياسي عند الحكومات، وترسيخ الممارسة الديمقراطية، وفتح باب تشكيل وترسيم التكتلات السياسية والاجتماعية، وتسامي النخب عن المكاسب الآنية الضيقة وقبولها بمبدأ العيش المشترك، وغيرها. هل يطول عمرنا لنرى هذه الأحلام البسيطة؟ الله أعلم.

كاتب وباحث