هكذا الدنيا تدور !!

 

ليس من المدهش على الإطلاق أن تصادف بعض الناس الذين يتصفون بصعوبة المراس، والمشاكسة، والمزاج الحاد، والتهكم والفضاضة، فالعديد من الناس في حياتنا اليومية ينزعون للجدل والمواجهة غير آبهين بمشاعر الآخرين، ولا بمسؤوليتهم الإجتماعية التي تقتضي منهم التنازل ولو بعض الشيء عن كبريائهم حتى يزول الإحتقان النفسي الذي نشأ بينهم وبين الأفراد من حولهم، لأنهم غالباً ما ينظرون إلى أنفسهم بأنهم ضحية لخطيئة الآخرين بينما هم من الملائكة على أقل تقدير!! أستغفر الله .

ربما نعتقد أن لوم الآخرين على أخطائهم التي ارتكبوها في حقنا يجعلنا نحس بأننا أفضل منهم، بل ربما يدفعنا ذلك الشعور إلى التعالي على الآخرين، والنظر إليهم بدونية وتمني السوء لهم عاجلاً غير آجل، دون أن نعلم أن إضمار الحقد والإستياء هذا يهدر كثيراً من طاقتنا الإيجابية ويجعلنا كائناً هشّاً للغاية غير قادر على النمو والتفاعل البنّاء مع البيئة الإجتماعية.

هناك بعضٌ من الناس – مع الأسف – إذا أخطأت في حقه ( كما يعتقد ) وبادرت إلى الإتصال به ذوقاً منك وليس لضعف فيك، تحت عنوان تصحيح المفاهيم، أو إزالة اللبس والغموض، يحزُّ في نفسك والله أن تجده مُشتطاً، ثائراً، مشحوناً، مضغوطاً كعلبة السردين، فلا يلبث أن ينفجر في وجهك دون رحمة محاولاً إعادتك إلى نقطة الصفر، فتقع في حيرة لا تُحسد عليها، بين التمسك بحكمتك وما يمليه عليك وعيك، وبين أن تستسلم لنوبة غضبه الطفولي وجرك إلى الدائرة الساخنة، وهذه لحظة حاسمة في مسألة النضج الإنفعالي بالتأكيد.

إنني أعلمُ جيداً بأنك من أبناء آدم كباقي العموم ولست من المعصومين، ولن أطلب منك أن تكون سريالياً ولا طوباوياً على الإطلاق، فلكل منا طاقة محدودة، ولكن الشيء الذي ربما قد يغيب عن بالك في هذه اللحظة الحرجة بأن الباري عزّ وجل قد مدّك بقوى خفيّة، وقدرات خارقة تستطيع من خلالها إدارة ذاتك بكفاءة واقتدار دون أن تتسبب في تحطيم نسيجك العاطفي، وتمكين الآخرين من الضغط على أزرارك الساخنة، والنيل من سلامك الداخلي، والوصول لحوائط الصد في أعماقك وتهديمها على رأسك.

نعم بإمكانك أن تتوقف عند المحطة الآمنة، وتعتذر بلباقة ومسؤولية عن الإستمرار في الحديث مع كل من يعمد إلى تحويل مبادرتك للتصافي معه إلى ساحة للتصادم والتلاطم بدلاً من التحليق معك لأفاق التعاون والتعاذر والسماح، فليس هناك أبخل من إنسان يغلق باب الصفاء في وجهك وهو يعلم يقيناً بأنك المبادر لفهمه والمحافظة عليه بمحض إرادتك.

لا تستغرب من وجود هذه الكائنات الخشبية، فعندما يتعصب المرء لنفسه ويقدسها، ويضعها فوق النقد، فلا تنتظر منه أبداً أن يخضعها إلى المساءلة وإن اتفق كل الناس على إدانته، وخطأ موقفه، والأفضل لك وله وللجو العام من حولك أن تسامحه في داخلك من أجل إنقاذ ذاتك من لهيب تعصُّبه، فهل أنت واثق من قدرتك على تحقيق ذلك؟ هذا كل ما أرجوه من شخصك الحكيم، فقط من أجل سلامتك. تحياتي .

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
فائق المرهون
1 / 9 / 2011م - 4:43 م
الأستاذ ابراهيم/ وفقه الله
نعم أيها الخبير كنت دقيقا ، و بارعا في وصف حالنا ، فالعديد منا مصاب بداء التقديس لنفسه أو لشخصيات معينة ، وهذا مما أسهم في تأخرنا عن الركب الأخلاقي و الحضاري و الفكري كثيرا .
أما وصفك المتميز ب " الكائنات الخشبية " فهو تعبير له مدلوله الإجتماعي ، كما هو السياسي ، و أنت بذلك خير عليم .
إطلالتك اليوم عيد ، فكل عيد و أنتم بخير .
2
ابراهيم بن علي الشيخ
8 / 9 / 2011م - 8:35 ص
أخي الحبيب الأستاذ : فائق المرهون
قلمك الرصين يعكس إشعاع فكرك المتّقد ، وتواصلك الجميل ينبت زهراً يؤرج العالم ويدفع كل الكائناتت الخشبية لكي تغادر ساحة الأوفياء. فما أروعك وأنت تبحر في عباب الكلمات لتصطاد نفائس المعنى . أسعدتني إطلالتك الموفقة من فيض لطفك.
إستشاري سلوك وتطوير موارد بشرية