صحوة المهمشين

 

ما الذي حدث في بريطانيا، وقبلها في اليونان؟ أليست هذه بلادا أوروبية ذات حكومات منتخبة ديمقراطيا، يتم تداول السلطة فيها سلميا؟ فلماذا إذن ينفجر الوضع فيهما عند مقتل صبي في أثينا اسمه اليكسيس غريغوروبولس، ومقتل شاب في توتنهام شمال لندن اسمه مارك دوغان على أيدي الشرطة في البلدين؟

هذان الاسمان اقتحما نشرات الأخبار دون سابق إنذار، تماما كما اقتحمها التونسي محمد البوعزيزي والمصري خالد سعيد بعد مقتلهما، فهل من عامل مشترك، أم أنها أحداث منفصلة لا علاقة لأحدها بالآخر؟

مع قليل من تدقيق النظر نستطيع اكتشاف العلاقة بين انفجارات الشوارع في هذه الدول، حيث لم يكن أي من حوادث القتل سوى الصاعق الذي أشعل الانفجار، أما ما قبل الصاعق فتكمن القصة الحقيقية التي تجمع شتات ما حدث والتي نستطيع أن نعطي لها عنوانا عريضا هو التهميش.

في الغرب هناك ديمقراطية رأسمالية منحازة للشركات والمؤسسات الكبرى، أو لنقل هي ديمقراطية الأثرياء التي وقفت إلى جانبهم في الأزمة المالية العالمية حيث خسر العالم مئات التريليونات من الدولارات وملايين الوظائف، وكان الخاسر الأكبر هم الطبقة المتوسطة فما دونها.

الاضطرابات في اليونان كانت صرخة احتجاج من قبل المهمشين على الإفلاس الأخلاقي للطبقة السياسية الحاكمة المنحصرة في عائلات ثرية معروفة غارقة في الفساد أغرقت البلاد في الديون والبطالة دون أن يغرق ثراؤها.

 والاحتجاجات في لندن وبعض المدن البريطانية الأخرى كان وراءها التهميش الاجتماعي والاقتصادي، فالقتيل مارك داغان ينتمي للأقلية الأفروكاريبية التي تشعر بالتمييز العنصري تجاهها، والذي عبر عنه الكاتب البريطاني من نفس الطائفة داركوس هاو حين قال: " يتعرض حفيدي للتفتيش والتوقيف بصورة شبه يومية لمجرد أنه أسمر ويخضع لمعاملة مذلة دون أن يرف جفن أفراد الشرطة، وإذا سألنا أي شاب عما يجري فسيقول إن أمرا خطيرا وشيك الحدوث في إنجلترا، حيث يلقى المئات مصرعهم من الشباب وهم قيد الاعتقال لدى الشرطة".

الأرقام تتحدث عن قرابة 333 شخصا قتلوا قيد الاعتقال لدى الشرطة خلال 11 سنة.

وقد لاحظ خبراء اجتماعيون أن التفاوت الكبير بين الأغنياء والفقراء في فرص التعليم ومستويات الدخل لعب دورا رئيسيا في الأحداث، إذ إن "معظم الشباب المشاركين في احتجاجات لندن الأخيرة ينحدرون من أحياء فقيرة ولم يعرفوا طعم الراحة في حياتهم وليس لديهم ما يخسرونه، فلا مهنة ولا مستقبل لهم، هم بنظر المجتمع البريطاني على الهامش لا شأن له بما يعتمل داخلهم من غضب وإحباط وشعور بالحقد والاغتراب". 

أما ما حدث في تونس ومصر والبحرين واليمن وليبيا وسوريا، وما يمكن أن يحدث في غيرها فهو لا يحتاج إلى دليل على أنه نتيجة طبيعية لمزيج من التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حيث غياب الديمقراطية واستشراء الفساد وممارسة التمييز على أسس مختلفة حزبية أو مناطقية أو عشائرية أو طائفية أو جهوية أو فئوية أو طبقية أو غيرها.

في الواقع الإنسان هو الإنسان غربيا كان أم شرقيا، فهو يبحث دائما عما يحقق له كرامته التي تتمظهر في الحرية والعدالة وتكافؤ الفرص وتوفير أسباب العيش الكريم وغيرها من الحاجات الإنسانية، وإذا لم تتم الاستجابة لتلك الحاجات فإنها لن تموت، بل ستبقى كامنة لفترة معينة ثم عندما تحين لحظة الحقيقة تظهر فجأة في شكل بركان لا يمكن السيطرة على نتائجه وآثاره.

من هنا فإن الحلول القمعية أو الترقيعية والتخديرية لا يمكنها في أحسن الأحوال إلا تأجيل انفجار البراكين التي ستعاود نشاطها بعد حين، لذا فإن المطلوب هو التعامل بجدية مع أصل القضية عن طريق إفساح المجال أمام دخول المهمشين إلى نادي المتن من خلال تمكينهم من المشاركة الفعالة في صنع مستقبلهم وإنهاء كافة الممارسات التمييزية والإقصائية التي تجعلهم يشعرون بالغبن وأنهم مواطنون منقوصو المواطنة.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
فائق المرهون
[ القطيف - أم الحمام ]: 20 / 8 / 2011م - 4:29 م
الأستاذ بدر / وفقه الله
إذا كان الحال هكذا من الإقصاء و التهميش و العنصرية ، في الدول التي تطير حكوماتها بالإضرابات و صناديق الإقتراع ، فما بالنا نحن في الشرق الأوسط ،الذين ابتلينا بأشد الأنظمة إستبدادا و قمعا و انتهاكا للإنسانية في العالم إن لم يكن في التاريخ!
وقد زدنا نحن مرضا و عفنا بالطائفية و القبلية و سياسة تقبيل الأكتاف و الأنوف فلنا الله .
عزيزي البدر / تحياتي الحارة لك في ليالي هذا الشهر الفضيل ، ودعاءنا لأخواننا في ليبيا و سوريا وكل الأوطان ، بالخلاص من الإستعباد .
2
بدر الشبيب
[ أم الحمام ]: 21 / 8 / 2011م - 1:14 ص
أخي العزيز الأستاذ فائق / حفظك المولى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
نحن كما يقول المثل العربي ( ضغث على إبالة ).. إذا كان الغرب يعاني من بعض التهميش فنحن نعيشه في كل مقطع ومفصل من مقاطع ومفاصل حياتنا.
بارك الله أيامك في هذا الشهر العظيم ووفقنا وإياك لصيامه وقيامه.
شاعر وأديب