هل نحب نبي التسامح؟

 

الحب من غير مصاديق خارجية وشواهد ملموسة يبقى مجرد ادعاء فارغ. فللحب الحقيقي آثاره التي تدل عليه وتكشف عنه.

ولعل من أبرز تلك الآثار موافقة المحبوب والسعي لكسب رضاه والابتعاد عن مخالفته، ولذا يقول الشاعر:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في القياس بديـع
لو كان حبك صادقا لأطعتـه ... إن المحب لمن يحب مطيـع

عندما نتأمل في حال المسلمين اليوم على مستوى الأفراد والمجتمعات والحكومات، سنصاب بخيبة أمل شديدة من حالة الانفصال بين دعوى حب النبي الكريم، المبعوث رحمة للعالمين، الصادق الأمين، ذي الخلق العظيم، المعلم البشرية الكتاب والحكمة، الذي ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ، اللين الجانب، البعيد عن الفظاظة وغلظة القلب؛ وبين الواقع المزري المتخلف على جميع الأصعدة، إنسانيا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا وأخلاقيا.

العين لا تخطئ مشاهد القتل على الهوية الآخذة في الاتساع في أكثر من بقعة في العالم الإسلامي، والتي لم يسلم منها حتى المرضى في المستشفيات، فضلا عن الأطفال والنساء.

والأرقام لا تكذب في حديثها عن الأعداد الهائلة لمعتقلي الرأي على امتداد الرقعة الجغرافية الإسلامية. أما الفساد الإداري والمالي والسياسي وغيره فحدث ولا حرج. فهل يبقى مجال بعد ذلك لصدق الدعوى؟!

حين نتأمل جانبا واحدا من حياة النبي سنعرف موقعنا من الإعراب في المنظومة السلوكية المحمدية. لذا سأقتصر في حديثي هنا عن العفو والتسامح في حياته الشريفة، حيث لم ينتقم لنفسه قط إلا أن تُنتهك حرمة من حرمات الله. فقد روى التاريخ أن النبي تعرض لأكثر من محاولة اغتيال، وعندما تمكن في كل مرة من صاحب المحاولة عفا عنه، كما عفا عن وحشي قاتل عمه حمزة، وعفا عن قريش التي جهدت في محاربته والتصدي لدعوته، فقال لهم يوم فتح مكة: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنهما - قَالَ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ غَزْوَةً قِبَلَ نَجْدٍ فَأَدْرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ في وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاه فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَعَلَّقَ سَيْفَهُ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا - قَالَ - وَتَفَرَّقَ النَّاسُ في الوادي يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ - قَالَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : « إِنَّ رَجُلاً أتاني وَأَنَا نَائِم،ٌ فَأَخَذَ السَّيْفَ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِي، فَلَمْ أَشْعُرْ إِلاَّ وَالسَّيْفُ صَلْتًا في يَدِهِ، فَقَالَ لي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ في الثَّانِيَةِ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ. قَالَ فَشَامَ السَّيْفَ فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ». ثُمَّ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ .

وفي محاولة اغتيال أخرى بالسم تعرض لها النبي من امرأة يهودية أهدت له شاة مشوية ودست السم فيها وأكثرت منه في ذراعها، لعلمها أن النبي يحب الذراع من الشاة، فلما انكشفت المؤامرة، عفا النبي عنها بعد ما اعترفت له بذلك، زاعمة أنها كانت تريد اختبار نبوته، ولم يلاحق الذين تواطؤوا معها.

وفي غزوة حنين كانت أم سليم تقول للنبي : يا رسول الله أرأيت هؤلاء الذين أسلموك وفروا عنك وخذلوك! لا تعفُ عنهم إذا أمكنك الله منهم فاقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين. فقال: يا أم سليم قد كفى الله، عافية الله أوسع.

بل إنه عفا حتى عن (مالك بن عوف) مثير تلك الحرب إن أسلم، فقال : أخبروا مالكا أنه إن أتاني مسلما رددت إليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل. فأتى مالك بذلك فخرج من الطائف فلحق برسول الله فأدركه بالجعرانة أو بمكة فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل وأسلم.

هذه بعض مشاهد العفو النبوية التي ينبغي أن نستحضرها اليوم، ونحولها إلى سلوك عملي في حياتنا كمسلمين، لنقترب من نبينا الكريم، ولنرد عمليا على محاولات تشويه شخصية النبي الأعظم ، ولنكون من محبيه قولا وفعلا.

دمتم بحب .. جمعة مباركة .. أحبكم جميعا.

 

 

شاعر وأديب