في كنف الحب

 

للبيئة الحاضنة للفرد دورها في تكوين شخصيته سلبا أو إيجابا.

وبرغم أن تأثيرها ليس حتميا، ولكنه يلعب دورا لا يمكن إغفاله في المنظومة التربوية.

في الأعم الأغلب هناك فرق بين من ينشأ في بيئة يسودها الحب والتفاهم والاحترام، وبين من يعيش مكرها في أجواء من التنافر والتشاحن والقمع.

من يعيش في كنف الحب؛ يسمع كلمات الحب، ويتلقى لغات الحب الأخرى من لمسات وضم وقبلات وهدايا وغيرها، فإنه سيكون أقرب من غيره لامتلاك شخصية قيادية فذة.

عندما نلقي نظرة على ما كان يتلقاه الإمام الحسن بن علي من أسلوب تربوي فريد، سنقترب من  بعض من أسرار التربية التي يمكننا اقتباس هديها وتطبيقه في حياتنا العملية حتى يكون أبناؤنا قرة أعين لنا، وليس مصدر قلق وتوجس.

يذكر التاريخ أن النبي كان يقطع خطبته، وينزل من منبره ليحتضن الحسن حين يدخل المسجد. وفي الحديث أنه ركب ظهر رسول الله وهو ساجد فلم يرفع رأسه، ولما سألوه وقالوا: يا رسول الله لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها، أفشيء أمرت به أو كان يوحى إليك؟ قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله.

وكان يعلن حبه للإمام الحسن، ويدعو الآخرين إلى حبه. فقد روت عائشة أن النبي كان يأخذ حسنا فيضمه إليه ثم يقول: اللهم إن هذا ابني وأنا أحبه فأحبه وأحب من يحبه.

أما والده الإمام علي فقد أغدق عليه هو الآخر من حنانه وتوجيهه، واهتم بأمره أيما اهتمام، حتى قال له: "وجدتك بعضي، بل وجدتك كلي حتى كأن شيئا لو أصابك أصابني، وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي".

وهنا نسرد موقفين تربويين يفيضان بالمعاني الجميلة تلقاهما الإمام الحسن في كنف أبيه، ونحن بحاجة ماسة لممارسة أمثالهما مع أبنائنا.

جاء في تفسير (فرات الكوفي) عن الإمام الصادق قال : قال عليّ بن أبي طالب للحسن: يا بنيّ قم فاخطب حتّى أسمع كلامك. قال: يا أبتاه كيف أخطب وأنا أنظر إلى وجهك أستحيي منك. قال: فجمع عليّ بن أبي طالب أمّهات أولاده ثمّ توارى عنه حيث يسمع كلامه. فقام الحسن وألقى خطبته الذي يذكر نصها فرات في تفسيره.

تقول بقية الرواية: فقام عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) وقبّل بين عينيه ثمّ قال: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .

وبالتأمل في هذه الرواية نلاحظ كيف شجع ابنه على ممارسة فن الخطابة، وكيف وفر له الجو المناسب لذلك، ثم كيف كافأه بقبلة النجاح والثناء الجميل.

وفي موقف آخر مشابه، ولكن على مستوى جمهور أوسع، أنه عليه السلام قال لابنه الحسن: يا حسن قم فاصعد المنبر فتكلّم بكلام لا يجهلك قريش من بعدي فيقولون إنّ الحسن لا يحسن شيئاً. قال الحسن ( عليه السلام ): يا أبه كيف أصعد وأتكلّم وأنت في النّاس تسمع وترى. قال له: بأبي وأمّي أواري نفسي عنك وأسمع وأرى ولا تراني.

فصعد الحسن ( عليه السلام ) المنبر فحمد الله بمحامد بليغة شريفة وصلّى على النّبيّ وآله صلاة موجزة ثمّ قال: أيّها النّاس سمعت جدّي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول أنا مدينة العلم وعليّ بابها، وهل تُدخل المدينة إلاّ من بابها ثمّ نزل، فوثب إليه عليّ ( عليه السلام ) فتحمله وضمّه إلى صدره.

لا يحتاج المتأمل في هذه الرواية لبذل أي جهد لاكتشاف لغات الحب الجميلة المبثوثة فيها. ما نحتاجه هو ممارسة تلك اللغات مع أبنائنا.
دمتم بحب .. جمعة مباركة .. أحبكم جميعا.

شاعر وأديب