عندما يحب الله أحدا 5

 

 

 

برغم التركيز الكبير للقرآن الكريم على نوعية الأداء باعتباره معيار المفاضلة، إلا أن تركيزنا يظل منصبا على الأداء الكمي. فالمتتبع لمفردة (أحسن) في الآيات الكريمة سيلحظ وجودها الكثيف المتمدد على كل المجالات، وهو أمر له دلالاته العميقة. وكان الأحرى بنا نحن المسلمين أن نعلم الآخرين إدارة الجودة الشاملة Total Quality Management  قبل أن نستوردها منهم، ولكنه التخلف حليفنا وصديقنا الذي لا نريد الفكاك منه.

عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الملك. علق صاحب تفسير الميزان مبينا مكانة الإحسان والمحسنين، حيث قال: فالمحسنون عملا هم المقصودون بالخلقة وغيرهم مقصودون لأجلهم.

وهذه الآية واحدة من عدة آيات تؤكد على (الأحسن). نختار منها ما يلي:
﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ (152) الأنعام.
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ (3)
يوسف.

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (125) النحل.

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) المؤمنون

هذه نماذج من آيات كثيرة تبين أن الجودة النوعية هي المقصودة وليس الكم، وأن المطلوب منا دائما البحث  عن الأفضل والأحسن في كل شيء، وليس أداء الأمور كيفما اتفق.  

وإذا كان هذا مطلوبا في كل شأن، فإنه في الشؤون العبادية يصبح أكثر مطلوبية، كما أن تحقيقه هو الأصعب في واقع الحال. ولذا فإن من المكافآت الإلهية العظيمة للفائزين بمحبويته هو منحهم حسن عبادته، فقد ورد عن رسول الله : إذا أحب الله عبدا ألهمه حسن العبادة.

فالمسألة ليست في كثرة الصوم والصلاة والحج والصدقة وغيرها من الأعمال العبادية، بل هي في أدائها على وجهها الأحسن. لما سمع الإمام علي عليه السلام رجلا من الحرورية (أي الخوارج) يتهجد ويقرأ، قال : نوم على يقين خير من صلاة في شك.

ولا يتحقق الأداء على الوجه الأحسن إلا من خلال الارتقاء بالعلاقة مع العبادة لتصل إلى مرتبة العشق. فعن النبي : أفضل الناس من عشق العبادة فعانقها، وأحبها بقلبه، وباشرها بجسده، وتفرغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا على عسر أم على يسر.

ولا يتحقق العشق إلا من خلال المعرفة الحقة بالمعشوق، وهذا ما تؤكد عليه الروايات الشريفة. منها ما ورد عن الإمام الرضا : أول عبادة الله معرفته.

وقول الإمام زين العابدين : لا عبادة إلا بالتفقه. ويقول الإمام علي : سكنوا في أنفسكم معرفة ما تعبدون؛ حتى ينفعكم ما تحركون من الجوارح بعبادة من تعرفون.

وبحسب المعرفة والتفقه ينقسم الناس إلى أصناف في العبادة، تختلف مستوياتها باختلاف مستوى الحب المنبعثة عنه. يقول الإمام الصادق : إن الناس يعبدون الله عز وجل على ثلاثة أوجه : فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحُرَصاء ، وهو الطمع ، وآخرون يعبدونه فَرَقا من النار فتلك عبادة العبيد ، وهي الرهبة ، ولكني أعبده حبا له عز وجل فتلك عبادة الكرام ، وهو الأمن ، لقوله عز وجل :﴿ وهم من فزع يومئذ آمنون ولقوله عز وجل : ﴿ قل إن كنتم تحبون الله . . .   فمن أحب الله أحبه الله عز وجل ، ومن أحبه الله عز وجل كان من الآمنين.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا.

شاعر وأديب