الحذر الخاسر والحذر الرابح (2)

 

الحذر من التسليم للأحكام الشرعية

        ومن أشكال الحذر المذموم: الحذر من قبول الأحكام الشرعية التي تخالف الهوى؛ كما حدث من تحذير اليهود لبعضهم البعض من قبول الحكم الصادر من النبي إذا كان يتعارض مع أهوائهم وشهواتهم ومصالحهم، وذلك في قضية الزنا التي وقعت بين يهوديين من علية القوم؛ فهؤلاء اليهود قاموا بتحريف آيات الله في التوراة بما يتوافق مع أهوائهم؛ لكي لا يقيموا الحد على الزناة من علية قومهم، في حين أنهم يقيمونه على الضعفاء منهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَـذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ (المائدة/ 41).

      ولكن ما كانت نتيجة من حَذَّرَ واتبع هذا التحذير المذموم؛ إلا الخزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْي وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ (المائدة/ 41).

 

حذر المنافقين

        ومن أشكال الحذر المذموم: الحذر الصادر من المنافقين من انكشاف ما يبطنونه من مؤامرات ونوايا خبيثة ضد الإسلام والمسلمين، كما في قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونْ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُوْرَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِيْ قُلُوْبهِمْ (التوبة/64)، وكما في قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ( المنافقون/ 4).

      ويحذر المنافقون من الموت أيضا؛ نتيجة انكشاف أمرهم كما في قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمآءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي ءاذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (البقرة/19).

 

وجاء في تفسير هذه الآية في الحديث: ما قاله الإمام "العالم" (عليه السلام): "ثم ضرب الله عز وجل مثلا آخر للمنافقين [فقال]: مثل ما خوطبوا به من هذا القرآن الذي أنزلنا عليك يا محمد، مشتملا على بيان توحيدي، وإيضاح حجة نبوتك، والدليل الباهر القاهر على استحقاق أخيك علي ابن أبي طالب (عليه السلام) للموقف الذي وقفته، والمحل الذي أحللته، والرتبة التي رفعته إليها، والسياسة التي قلدته إياها فهي " كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق " قال: يا محمد كما أن في هذا المطر هذه الأشياء، ومن ابتلى به خاف، فكذلك هؤلاء في ردهم لبيعة علي (عليه السلام)، وخوفهم أن تعثر أنت يا محمد على نفاقهم كمن هو في مثل هذا المطر والرعد والبرق، يخاف أن يخلع الرعد فؤاده، أو ينزل البرق بالصاعقة عليه، فكذلك هؤلاء يخافون أن تعثر على كفرهم، فتوجب قتلهم، واستيصالهم ( يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) ". البحار: 8 ط.حجر، والبرهان.

 

وهنا يطرح السؤال: ما نتيجة حذرهم هذا؟

      لقد توعد الله بفضح ما يبطنونه من نوايا سيئة ومؤامرات خبيثة، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ اسْتَهْزءوُا إنَّ اللّه مُخْرجٌ ما تَحْذَرُونَ (التوبة/64)، وتوعدهم الله أيضا بمقاتلتهم مهما حاولوا تشويه الحق كما في قوله تعالى: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( المنافقون/ 4). وما مصير من كان الله خصمه إلا الخسران والعذاب الأليم.

وللموضوع بقية..

العوامية