أحبوا أنفسكم 2

 

 

 

هل يكره الإنسان نفسه؟ دعونا نسأل القرآن الكريم  - وهو الذي فيه تبيان كل شيء - هذا السؤال، ونستعلم منه الجواب.

تستوقفنا هنا الآية العاشرة من سورة غافر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ. هذه الآية تتحدث عن أشد البغض وهو المقت، وأن الإنسان في الواقع يمقت نفسه – أي يبغضها بغضا شديدا -  حين يستنكف عن الاستجابة لدعوة الإيمان، وأن مقت الله له حينذاك أكبر من مقته لنفسه. يقول صاحب تفسير الميزان: " وظاهر الآية والآية التالية أن هذا النداء المذكور فيها إنما ينادَون به في الآخرة بعد دخول النار حين يذوقون العذاب لكفرهم فيظهر لهم أن كفرهم في الدنيا إذ كانوا يدعون من قبل الأنبياء إلى الإيمان كان مقتا وشدة بغض منهم لأنفسهم حيث أوردوها بذلك مورد الهلاك الدائم.

و ينادَون من جانب الله سبحانه فيقال لهم: أُقسِم لمقتُ الله وشدة بغضه لكم أكبر من مقتكم أنفسكم وشدة بغضكم لها إذ تدعون- حكاية حال ماضية- إلى الإيمان من قبل الأنبياء فتكفرون."

المشكلة إذن أن الإنسان قد لا يشعر ببغضه لنفسه لأنه غافل عنها، سادر في ظلمات الغي والجهل، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الحشر: 19

وفيها يقول صاحب تفسير الأمثل: " و النقطة الجديرة بالملاحظة أنّ القرآن الكريم يعلن هنا- بصراحة- أنّ الغفلة عن اللّه تسبّب الغفلة عن الذات، و دليل ذلك واضح أيضا، لأنّ نسيان اللّه يؤدّي من جهة إلى انغماس الإنسان في اللذات المادية و الشهوات الحيوانية، و ينسى خالقه، و بالتالي يغفل عن ادّخار ما ينبغي له في يوم القيامة".

إن الإنسان حين يغفل عن الله يغفل أول ما يغفل عن نفسه، فيعطل حواسها الظاهرة والباطنة، ويحملها على انتهاك حرمتها بارتكاب المعاصي والذنوب، مُنزِلة بذلك مقامها من ( أحسن تقويم ) إلى ( أسفل سافلين ) لتكون كالأنعام بل أضل سبيلا. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ الأعراف: 179
لذا فإن من المهم علينا أن نراجع حساباتنا لنعلم هل نحب أنفسنا فعلا. فإن كانت علاقتنا بالله تعالى وطيدة وثيقة، فذلك هو المبتغى والمراد، وإن كانت العلاقة مقطوعة – والعياذ بالله – أو في مستوى منخفض، فإن علينا التدارك قبل فوات الأوان، كي نعيد العلاقة أو نرفع مستواها، انطلاقا من حبنا لأنفسنا، إذ الله غير محتاج لتلكم العلاقة، لأنه الغني المطلق.﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها.

فلنتأكد من حبنا لأنفسنا قبل فوات الأوان، وقبلَ: ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى‏ عَلى‏ ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (57) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (58) بَلى‏ قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (59) سورة الزمر.

دمتم بحب .. جمعة مباركة .. أحبكم جميعا.

شاعر وأديب